محمد جمال الدين القاسمي

470

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الرازيّ : معنى الآية : إن اللّه تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل اللّه من الدلائل الباهرة . فهم قالوا : لا نتبع ذلك وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا . فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد . وأجاب اللّه تعالى عنهم بقوله أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ . . . إلى آخره . ثم قال : تقرير هذا الجواب من وجوه : أحدها : أن يقال للمقلّد : هل تعترف بأنّ شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقّا أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك ، لم تعلم جواز تقليده إلّا بعد أن تعرف كونه محقّا ، فكيف عرفت أنه محقّ ؟ وإن عرفته بتقليد آخر ، لزم التسلسل ؛ وإن عرفته بالعقل ، فذاك كاف ، فلا حاجة إلى التقليد . . ! وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كوّنه محقّا . . . فإذن قد جوّزت تقليده وإن كان مبطلا . . ! فإذن أنت - على تقليدك - لا تعلم أنّك محقّ أو مبطل . . ! وثانيها : هب أنّ ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء ؛ إلا أنّا لو قدرنا أنّ ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط ، وما اختار فيه البتة مذهبا ؛ فأنت ماذا كنت تعمل ؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه ، كان لا بدّ من العدول إلى النظر ، فكذا هاهنا . وثالثها : أنك إذا قلّدت من قبلك ، فذلك المتقدم كيف عرفته ؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد ؟ فإن عرفته بتقليد ، لزم إمّا الدور وإمّا التسلسل . وإن عرفته لا بتقليد ، بل بدليل ، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدّم ، وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد لأنّك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل - مع أن ذلك المتقدّم طلبه بالدليل لا بالتقليد - كنت مخالفا له . فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه ، فيكون باطلا . ثم قال الرازي عليه الرحمة : إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان ، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابعة التقليد ، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل ، أو على ما يقوله الغير من غير دليل . وقال الإمام الراغب : ذمّهم اللّه بأنهم أبطلوا ما خص اللّه به الإنسان من الفكر والروية ، وركّب فيه من المعارف . وذلك أن اللّه ميّز الإنسان بالفكر ليعرف به الحقّ من الباطل في الاعتقاد . والصدق من الكذب في الأقوال . والجميل من القبيح في الفعل . ليتحرى الحقّ والصدق والجميل . ويتجنب أضدادها . وجعل له من نور العقل